سميح عاطف الزين
43
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
المنافع العامة كالمراعي والمساجد والبحار . قال الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا حمى إلا للّه ولرسوله » « 1 » . وأصل الحمى عند العرب أن شيخ القبيلة كان إذا نزل مكانا مخصبا استعوى كلبا على مرتفع عال ، ثم اقتطع لنفسه من أرض ذلك المكان إلى المدى الذي يصل إليه صوت الكلب من كل جانب ، وجعله حمى له لا يرعى فيه غيره . أما ما بقي من الأرض فيرعى فيه مع الآخرين . والحمى هو المكان المحميّ ، فلا يدخل فيه المشاع المباح . وتلك العادة الجاهلية قد أبطلها الإسلام عندما منع الأفراد أن يحموا أيّ شيء من المشاعات العامة حتى لا يصبح لهم وحدهم دون غيرهم ، لأنه ليس لأحد أن يحمي ما هو لعموم المسلمين ، إذ لا حمى إلا للّه ورسوله ، عندما يكون في هذا الحمى مصلحة معيّنة فقط . وقد فعل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك فحمى بعض الأمكنة كما روي عن ابن عمر من « أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حمى النقيع للخيل » ؛ أي أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حمى مكانا يقال له النقيع - وهو موضع يستنقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب وكان على بعد عشرين فرسخا من المدينة - . إذ منع صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الناس من الإحياء في تلك الأرض الموات ليتوفر فيها الكلأ وترعاه مواش مخصوصة بينما يمنع غيرها من ذلك . . كما هي الحال في حمى ذاك المكان للخيل الغازية في سبيل اللّه تعالى . وقد كان خلفاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بعده يحمون بعض الأمكنة ، فإن عمر وعثمان ( رضي اللّه عنهما ) حميا بعض الأموال العامة ، وكان ذلك على مرأى من الصحابة فلم ينكر الأمر عليهما منكر . ويشتمل الحمى المنهيّ عنه في الحديث على أمرين : الأول : الأرض الميتة التي كان يمكن لكل واحد من الناس أن يحييها ويأخذ منها .
--> ( 1 ) البخاري ، الجزء الثالث ، ص 148 .